السيد محمد تقي المدرسي

28

من هدى القرآن

المؤمن بها رفض الطاغوت وكل ما يرتبط به من فكر وثقافة وأسلوب حياة ، هذه الكلمات لا تصدر عادة إلا عن رسول ، ولكنَّها صدرت عن هؤلاء بتأييد الله ، أي بعد أن ربط على قلوبهم . ثم يعلنون أنهم عازمون على المضي في هذا الطريق وعدم النكوص . . لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً وكلمة لَنْ تدل على الأبدية ، أي مستحيل علينا أن نرجع إلى واقعنا الفاسد ، ثم يذكرون سبب ذلك : لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً أي أن عودتنا إلى أفكارنا وأقوالنا السابقة هي ضلال وانحراف وشذوذ . الجذرية لقد أعلنوا حركة تغييرية جذرية ، وهذه من سمات الحركة الرسالية ، فمنذ البداية قالوا : لن ندعوا من دونه إلهاً أي لن نخضع لهذا الطاغوت ولا لطاغوت آخر يأتي مكانه ، ولن نقبل أن يطاح بفئة حاكمة ظالمة لتستولي على الحكم فئة أظلم منها ولكن باسم آخر وشعارات أخرى ، أو يذهب ملك فينصبوا ابنه مكانه ويظل النظام الفاسد كما هو . فكلمة إِلَهاً تشير إلى عدم التخصيص بالملك الذي كان يحكم في زمانهم ، بل إلى كل من يتصف بادعاء الندية لله سبحانه وهكذا كانت رؤيتهم صافية . لأنَّ الله سبحانه أيدهم وربط على قلوبهم . ولذلك جاء في الحديث المأثور عن أبي جعفر الباقر عليه السلام أنه قال : [ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ كَانُوا صَيَارِفَةً ] « 1 » ، يعني صيارفة الكلام ولم يعن صيارفة الدراهم . [ 15 ] لقد قطعوا أية علاقة لهم بالماضي وسفَّهوه ، ولم يكتفوا بذلك وإنما أخذوا يسفهون الآخرين هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً فاستنكروا موقف قومهم الذين اتخذوا السلاطين والرؤساء آلهة من دون الله . لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ إذا أراد الإنسان أن يسلك طريقاً ما أو يتخذ رجلًا قائداً فليفعل ، ولكن عليه أن يأتي بحجة قاطعة ودليل قوي ، وهكذا سفّه أصحاب الكهف منهج الكفار في اختيار الإله بطريقة غير عقلانية ، ولم يخطئوا النتيجة فقط ، وإنما بدأوا بالسبب الجذر للانحراف ، وهذه من أقوى وأعمق الحركات التغييرية الثقافية والسياسية في العالم ، فهي لا تنظر إلى النتائج الظاهرة والفساد القائم فقط ، وإنما تبحث عن السبيل الذي سلكه الناس حتى وصلوا إلى ذلك الفساد ، أو طريقة التفكير التي أدت بهم إلى هذه النتيجة .

--> ( 1 ) من لا يحضره الفقيه : ج 3 ، ص 159 .